المنجي بوسنينة
723
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
وقد بدأت علاقته المباشرة بأوروبا أثناء مرافقته لأحمد باشا في زيارته إلى باريس في عام 1846 ، وقد أخذ الملتزم بجمع الضرائب محمود بن عياد قسما كبيرا من الضرائب التي جمعت بين 1853 و 1857 ، وفرّ بها إلى فرنسا ففتحت ضدّه دعوى ، وكلف خير الدين باشا بتمثيل الحكومة التونسية في هذه القضيّة ، فبقي في باريس ، وقام بدوره على أحسن وجه وحفظ لتونس حقوقها . وفي هذه الأثناء احتك بالحضارة الغربية عن قرب ، وطوّر لغته الفرنسية بشكل سريع . وبوفاة أحمد باشا في عام 1855 وحلول محمد باشا في منصبه عيّن خير الدين باشا في رتبة فريق ، وفي 21 يناير 1857 عين خير الدين باشا وزيرا للحربية وذلك بعد النجاحات التي حققها في باريس ، وبدأ ممارسة عمله في هذه الوظيفة بعد مجيئه إلى تونس في 8 مايو 1857 . وقد عمل على إصلاح الوزارة والأسطول البحري وتحديثهما خلال فترته التي استمرت حتّى 23 نوفمبر 1862 . وعند إعلان « عهد الأمان » في تونس في 10 سبتمبر 1857 ، كان خير الدين باشا من أكثر الناس حماسا ونشاطا لتحديث النّظم السياسية والاجتماعية في تونس ، وقد احتوى هذا العهد على أسس فرمانات الإصلاحات والتنظيمات التي شهدتها الدولة العثمانية . وفي عام 1861 اختير خير الدين باشا ضمن لجنة عهد لها بإعداد دستور للبلاد . وبعد عام اختير عضوا في « المجلس الأكبر » الذي كان بمثابة هيئة استشارية . ثم أصبح رئيسا له ، وقد لعب دورا مؤثرا في الإصلاحات القانونية ؛ كما كان له حضور في لجنة المحاكم القنصلية ، ورأس كذلك اللجنة التي قامت بإعداد القانون العسكري . وتعتبر سنة 1862 سنة حاسمة إذ طلب خير الدين استعفاءه من جل مهامه بما في ذلك وزارة البحر ، احتجاجا منه على قبول الوزير الأكبر مصطفى خزنة دار الدخول في دوامة الاقتراض من أوروبا ممّا سيؤدّي إلى إفلاس الدولة التونسية وانهيارها ، إلى جانب إقدام مصطفى خزنة دار على تضعيف الأداء « المجبى » ، ممّا سيؤول إلى انتفاضة شعبية عارمة من 1863 إلى 1869 أدّت إلى إبطال العمل بالدستور والمجالس وإلقاء القبض على زعيم الثوار علي بن غذاهم ؛ كما أدّت إلى انتصاب الكوميسيون المالي ( فرنسا - بريطانيا - إيطاليا ) . ولقد كان دور فرنسا وبريطانيا دورا مهيمنا ، وعيّن خير الدين رئيسا للكوميسيون المالي منذ إنشائه سنة 1869 . وفي فترة اعتزاله الوظائف الرسمية أرسل إلى إسطنبول لتأكيد الموالاة ، وكذلك إلى تسع من العواصم الأوروبية لتقديم الأوسمة والهدايا لحكّامها وذلك في مهمة غير رسمية ، وأرسل مرّة ثانية إلى إسطنبول بهدف توطيد العلاقات العثمانيّة التونسيّة ، ثمّ رجع حاملا معه « أمرا ساميا » ، وينصّ هذا الأمر على إقرار السلطان العثماني بأحقّية العائلة الحسينية في السلطة والإبقاء على النظام الإداري المتّبع في تونس . وبعد تولّيه رئاسة الكوميسيون عيّن خير الدين سنة 1870 وزيرا مباشرا إلي جانب الوزير الأكبر حتّى تمّ تعيينه سنة 1873 وزيرا أكبر خلفا لمصطفى خزنة دار الذي أقيل بعد أن شغل هذا المنصب مدّة 36 سنة معاصرا بذلك